محمد بن جرير الطبري
58
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ، كقول القائل : هلم ، وأقبل ، وتعال ، وإليّ ، وقصدي ، ونحوي ، وقربي ، ونحو ذلك ، مما تختلف فيه الألفاظ بضروب من المنطق وتتفق فيه المعاني ، وإن اختلفت بالبيان به الألسن ، كالذي رَوَينا آنفًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعمن روينا ذلك عنه من الصحابة ، أن ذلك بمنزلة قولك : " هلمّ وتعالَ وأقبل " ، وقوله " ما ينظرون إلا زَقيةً " ، و " إلا صيحة " . فإن قال : ففي أيّ كتاب الله نجدُ حرفًا واحدًا مقروءًا بلغات سبع مختلفات الألفاظ ، متفقات المعنى ، فنسلم لك صحةَ ما ادّعيت من التأويل في ذلك ؟ قيل : إنا لم ندع أن ذلك موجود اليوم ، وإنما أخبرنا أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " ، على نحو ما جاءت به الأخبار التي تقدم ذكرناها . وهو ما وصفنا ، دون ما ادعاه مخالفونا في ذلك ، للعلل التي قد بَيَّنا . فإن قال : فما بال الأحرف الأخَرِ الستة غير موجودة ، إن كان الأمر في ذلك على ما وصفتَ ، وقد أقرأهن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ، وأمر بالقراءة بهنّ ، وأنزلهن الله من عنده على نبيه صلى الله عليه وسلم ؟ أنسخت فرُفعت ، فما الدلالة على نسخها ورَفعها ؟ أم نسيتهن الأمة ، فذلك تضييعُ ما قد أمروا بحفظه ؟ أم ما القصةُ في ذلك ؟ قيل له : لم تنسخ فترفع ، ولا ضيعتها الأمة وهي مأمورة بحفظها . ولكنّ الأمة أمرت بحفظ القرآن ، وخُيِّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت . كما أمرت ، إذا هي حَنثتْ في يمين وهي مُوسرة ، أن تكفر بأيِّ الكفارات الثلاث شاءت : إما بعتق ، أو إطعام ، أو كسوة . فلو أجمعَ جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث ، دون حَظرها التكفيرَ بأي الثلاث شاءَ المكفِّر ، كانت مُصيبةً حكمَ الله ، مؤديةً في ذلك الواجبَ عليها من حق الله . فكذلك الأمة ، أمرت بحفظ القرآن وقراءته ، وخُيِّرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت : فرأت